مرحبا بكم في عالم نعيم

عام, ديانات, أدب و كتب, ثقافة و فن, سياسة و أخبار.


البحث عن صعاليك الحداثة

مقال سبق ان نشر لي في مجلة أفق الثقافية
 
ظاهرة الصعلكة ظاهرة قديمة, عثرنا عليها كعرب إبان المجتمع الجاهلي , وحكايات الشعراء الصعاليك وحوادثهم معروفة. وهي كظاهرة تراثية مستقرة في المخيلة وفي الوعي العربيين, ترتبط أيما ارتباط بالتمرد والخروج. فالشاعر الصعلوك حين ينفصل عن قومه يهجرهم ويؤثر على رفقتهم رفقة الوحش في البراري ذلك أن هذا الأرعن المارق عن إجماع القبيلة يعتقد في قرارة نفسه أن قومه خانوه حينما خلعوا عنه الحماية وتركوه طريدا شريدا ومن هنا يتولد لديه روح الانتقام وهو عندما ينأى عنهم ويهجرهم فكأنه يكشف عن ذاته النبيلة والأصلية الغريبة وسط ذوات مزيفة, في مقابل هذه الصورة العالقة بالذاكرة العربية هناك من تطوع لتقديم تعريف مضغوط جدا نستطيع أن ندرجه في إطار محولات التفسير المتطرفة لبعض الأصول التراثية , فقد اجتهد البعض في اعتبار ظاهرة الصعلكة أول ثورة في العصر الجاهلي ضد الظلم والاستبداد والتقاليد العقيمة .... وزاد آخرون بأن اعتبروا الظاهرة نشدان للحرية وقمة التمرد ضد القمع )…( وإذا ما تجاوزنا هاته التآويل المتطرفة واعتبرنا الأمر لا يعدو كونه مجرد اعتساف وحسمنا بأن ظاهرة الصعلكة رغم كونها تمردا بالفعل فلا يمكن أن تكون مقياسا صالحا يمكن أن يقاس عليه المفهوم الحديث للثورة أو التحرر .

مناسبة الحديث عن ظاهرة الصعلكة والنبش في خصال الصعاليك بالمفهوم القدحي الذي ذكرناه , ليس للتنغيص على تلك القطط السمان ومصاصي الدماء صعاليك هذا العصر بامتياز فلهؤلاء سنحتفظ بالمداد للكتابة عنهم في مقالات قادمة... موضوع حديثنا هذه المرة هو عن أولئك الذين يتوجون أنفسهم كسدنة "للسيدة الحداثة" والدافع عندي هو هذا التشابه- الذي بدا لي منطقيا- بين أولئك النفر من فئة الصعاليك تلك, الذين عاشوا على هامش القبيلة, وبين هؤلاء الحداثويون الذين أفرطوا في استهلاك خطاب الحداثة بشكل بالغ في خشونة الطرح وصدامية المنهج, إن هذا المدعو حداثوي شأنه شأن الشاعر الصعلوك, لا يريد أن ينتمي إلى الأمة في واقعها الراهن إنما يريدها أن تنتمي هي إليه. فهو يكاد يعلن أنه لن يكون عربيا مسلما إلا إذا أصبح العرب والمسلمون حداثيون.

تناول "المشروع الحداثي" بذلك التضخم الكلامي بزعم الحداثة تجب ما قبلها أنتج فهوما أفرطت في التبسيط واغرقت في السذاجة, ومالت إلى لعبة ممارسة التنميط بشكل أراد أن يظهرنا وكأننا كائنات دينية  "ميتا فيزيقية
تأبى التبدل والتحول ولا تقدر على التكيف والتأقلم مع صيرورة التاريخ, لذلك تفتقت عبقرية ذلك "الحداثي"  فراح يدعو إلى عملية قيصرية لاجتثاث واستئصال تلك العوائق البنيوية التي تحول دون الحداثة . ترويج مفهوم الحداثة بهذا الأسلوب القطعي الصدامي الفظ, واستزراعه بشكل قسري وفج في رحم الأمة لمن شأنه أن يعمق الشرخ ويكرس بؤس وإخفاق التفكير الحداثوي الذي أمعن في إظهار الحداثة على أنها إعصار....

تبقى مشكلة الحداثة شأنها شأن الديمقراطية أنها كانت ضحية شعاراتها ونفاق مروجيها الذين تعاملوا بنرجسية وازدراء مع القيم الكبرى ذات الطابع المصيري والبعد الحضاري واستخفوا بالأرصدة التراثية والحضارية للأمة معتبرين جدلية الطفرات الكيفية ومنطق الصيرورة خضوعا لتفكير الموتى , واعتصاما أهوجا بزمن ولى.

مقابل هده الصرامة نحو نبذ كل ما هو قديم , يتطوع الحداثويون لاستجلاب بديل حداثي جاهز باعتباره أنموذجا حضاريا وإنسانيا ناجحا ومن ثمة تكريس مقولة (الحداثة صناعة غربية) وكأن الغرب  صنع الحداثة صنعا ولم ينلها عن طريق التدافع الحضاري والتراكم المعرفي الإنساني وزاد فطبعها بخاتمه الخاص وطباعه (المتفردة ), ومن ثم تبقى هذه الخصوصية مناط ومبرر التحفظ على تلك الحداثة الهابة من الغرب , وليس هذا التحفظ نابع من مقولة (أنا أعرف نفسي من خلال تناقضي مع الآخرين) ولكن من باب الوعي بالخصوصيات الثقافية والفكرية والحضارية... وأيضا من باب المنافسة والابتكار وإفشال كل مشاعر الدونية والإحباط إزاء الغرب ؛ عبر ممارسة عمليات استحداث ومحاولة بلورة حداثة تراعي الخصوصيات حتى نتفادى انتكاسات تجارب التحديث التي مورست من فوق , ولم تفرز سوى شكل (حداثة معطوبة) اكتفت باستجلاب مظاهر الحداثة فأنتجت ما يمكن أن نصطلح عليه بـ (الصعلكة الحديثة) وما خلفته من مسخ حضاري وإفلاس قيمي نستشعر إزاءه أن الإنسان العربي خرج من عصر الانحطاط إلى عصر السقوط والتفسخ والهزائم المتوالية. إنها عناصر الكابوس العربي الذي تديره آلة جهنمية تسحق الأنقياء الحالمين والمناضلين , تحيلهم من أناس أحياء إلى صور تزدان بها الجدران العربية .

وتغدو الحقيقة عارية فجة أمام هؤلاء (الحداثويون) الممارسون لصعلكة جديدة والذين يترجمون الحداثة على أنها خروج عن المألوف وتطاول على القيم وتشويه للمبادئ إلى درجة الكاريكاتورية الموجعة , وتصوير الحداثة على أنها فتاة عارية من كل شيء ... وتكريس المنطق الذئبي (إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب)

بعد كل هذا ألا يمثل الخطاب الحداثوي الببغاوي دعوة صريحة إلى صعلكة حديثة ؟


نعيم بوسلهام / المغرب

أقواسأفق : الأثنين 01 مارس 2004


sahara
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية










Naim

Naim's engine in arabic

visitors

سجل الزوار

time

بصمة زائر

المتواجدون من العالم مباشر Live

google Adsense

Recent Visitors